في الدفاع عن حرية المرأة… دفاعا عن حرية المجتمع بأكمله

إنّ نظرتنا إلى قضية تحرير المرأة هي في  ارتباط وثيق مع تحرير المجتمع من كل أشكال الاضطهاد الطبقي والقومي والاثني والديني، وكما هو معلوم، فان أول بحث رائد في هذا المجال حول قضية المرأة هو الذي قدمه انجلز في مؤلفه ( اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة) ، والذي نشر لأول مرة عام 1884م.

انطلق انجلز من الفهم المادي للتاريخ الذي يقول أن التحول في أسلوب الإنتاج يؤثر علي الوجود الإنساني بأسره، بما في ذلك شكل العلاقات بين الرجال والنساء، ول يمكن الفصل بين الإنتاج وتجديد النوع البشري في تطور المجتمع.

وكانت أهم استنتاجات انجلز تتلخص في الآتي:

1  – النظرة الي دونية المرأة هي نتاج تطور تاريخي اجتماعي، لا تتعلق بالفروق البيولوجية بين المرأة والرجل.

 2 -  المجتمعات البدائية شهدت المساواة بين المرأة والرجل، و للمراة فيها مكانة  متميّزة .

 3 – مع ظهور المجتمعات الزراعية والرعوية والفروق الطبقية والدولة، وتركز الثروة في يد الرجال( ملكية الاراضي الزراعية وقطعان الماشية)، بدأت تظهر عدم المساواة بين المرأة والرجل ، واصبحت الوراثة من جهة الأب لاستمرار سيطرة الرجل.

4 – أشار انجلز إلي أن الإطاحة بحق الأم كان الهزيمة التاريخية العالمية لجنس النساء، ومن هنا بدأت سيطرة الرجل وهيمنته في المجتمع ، وتراجع دور المرأة إلي المنزل.وهذه الهزيمة ارتبطت بانقسام المجتمع الي طبقات مستغلة(بكسر الغين) ومستغلة(بفتح الغين)، وبالتالي يستحيل فصل النساء عن تحرير المجتمع ككل من الاضطهاد الطبقي وكل أشكال القمع والاضطهاد الأخرى.

إضافة لمساهمة انجلز التي كانت رائدة بحق في البحث عن الجذور الحقيقية لاضطهاد المرأة والتي شكلت سلاحا هاما في الحركة النسوية في نضالها من اجل التحرر، أشار ماركس في مؤلفات متفرقة الي قضية المرأة علي النحو التالي:

- 1ان تطور المجتمع يقاس بتقدم المرأة.

- 2 خروج المرأة للعمل مع الرجل، لابد أن يصبح بالضرورة مصدرا للتقدم الانساني، ويخلق أساس اقتصاديا جديدا لشكل أعلى من الأسرة وللعلاقات بين الجنسين ، مكان العمل يفتح أمام النساء أوسع الفرص للنضال والتنظيم.

- 3النضال ضد اضطهاد المرأة مهمة الرجال والنساء في الحزب ، وليس مهمة النساء وحدهن، لأن تحسين أحوال العاملات تفيد المجتمع وكل العاملين ( رياض الاطفال، المساواة في الأجر، الاجازة مدفوعة الأجر في حالة الولادة، الحضانات المجانية، .. الخ).

- 5  وكان من رأي ماركس وانجلز أن تحرير المرأة يتطلب ليس فقط دخولها الي مجال الانتاج الاجتماعي ، انما كذلك احالة الخدمات من أمثال العناية بالأطفال والمسنين والعجزة إلي المجتمع. كما يمثل إزالة الفوارق الطبقية وتقسيم العمل بين الجنسين شرطا مسبقا لبلوغ النساء المساواة التامة.

علي أنه من الخطأ التصور ان الماركسية نظرت الي تحرر المرأة في مستوي العلاقات الاقتصادية والإنتاجية فقط ، ولكن للمسألة شقها الثقافي الذي يتعلق بالبنية الفوقية للمجتمع ،فبمجرد تحرير المجتمع كله من الاضطهاد الطبقي ومساواة المرأة مع الرجل في الأجر وبقية الحقوق ، لايعني ذلك أن قضية المرأة قد تم حلها. ذلك أن لقضية المرأة شقها الثقافي والذي يتعلق بالصراع ضد الايديولوجية التي تكرس اضطهاد المرأة ودونيتها ، والتي هي نتاج قرون طويلة من قمع واضطهاد المرأة ، وبالتالي لابد من مواصلة الصراع في الجبهة الثقافية أو البنية الفوقية للمجتمع، ضد الافكار والمعتقدات التي تكرس دونية المرأة والتي كرستها مجتمعات الرق والاقطاع وحني الرأسمالية التي تعيد إنتاج عدم المساواة في توزيع الثروة وبين البلدان المتخلفة والرأسمالية، وتعيد إنتاج عدم المساواة بين المرأة والرجل وتجعل منها سلعة وأداة للمتعة والدعارة وأداة للإعلان والدعاية، إضافة للقهر الطبقي والثقافي والاثني والجنسي.

اذن قضية المرأة ننظر لها نظرة شاملة وفي إبعادها المتعددة ومن زاوية: تحررها كجنس،  ومن الاضطهاد الطبقي والقومي والاثني والنفسي والأبوي، وفي مستوي البنية الثقافية للمجتمع التي تكرس اضطهاد المراة والتي هي نتاج قرون من مجتمعات الرق و الاقطاع ولا تزول بين يوم وليلة، بل تحتاج الي نضال ثقافي وفكري شاق.

كما كان لينين يشير الي أن( المساواة في القانون لايعني المساواة في الحياة) ، وكان لينين يدرك تماما أن عدم المساواة بين الجنسين سيبقي في المجتمع الجديد ، واسطع مثال علي ذلك هو العمل المنزلي يقول لينين(حتى في ظل المساواة التامة في الحقوق يبقى علي كل حال ذلك التقييد الفعلي للمرأة لأنه يلقى علي كاهلها أعباء كل الشئون المنزلية وهذه الشئون المنزلية هي في غالبية الحالات أقل الأعمال التي تقوم بها المرأة إنتاجية وأكثرها وحشية وأشدها وطأة وإرهاقا ، وهذا العمل في منتهى الحقارة والصغر ولا ينطوى على شيء من شأنه أن يسهم بقدرما في تطوير المرأة)ر( لينين المؤلفات الكاملة مجلد 40، ص 157(

كما كان لينين يشير الي (أن الطبقة العاملة لاتستطيع إحراز حريتها الكاملة اذا لم تحرز الحرية الكاملة للنساء(

  ان رؤيتنا هذه كماركسيين ليينين تقودنا حتما الى تحليل وضع المرأة الراهن في المجتمعات الرأسمالية الليبرالية و المجتمعات العربية خصوصا باعتبارنا جزءا في قطرنا تونس من هذا الفضاء العربي الكبير.

إن البورجوازية الليبرالية و القوى الظلاميّة منها بالخصوص تشتركان في النظرة الدونية للمرأة و استغلالها من منظور جسدي جنسي بحت .

الليبرالية و رغم ما أتت به من مكاسب متقدمة للمرأة مقارنة بمجتمعات سبقتها  كالاقطاع مثلا في الشغل و الخروج الى مواقع العمل فإنها لم ترتقي الى الهدف الحضاري و الإنساني المطلوب في تحرير المرأة كاملا و لن تستطيع ذلك باعتبار ان المجتمع كله لا يزال يعيش تحت الاستغلال و الفوارق الطبقية مكرّْسة على الرجل مثله مثل المراة و التي تعاني استغلالا مضاعفا نتيجة لتوظيف جسدها في مفهوم الربح للنمط الراسمالي عبر استعمال جسدها في الاشهار و الدعارة المقننة.

أما القوى الظلامية التي تعتبر المرأة  » شيطانا’ في حد ذاته في الإغراء و الجنس و اعتبارها مفسدة المجتمع و عاهاته هذه النظرة الدونية المنحدرة من براثن القرون الوسطى مستمدة فكرها من مجتمعات العبودية و الإقطاع فان هذه القوى تعمل جاهدة على جعل المرأة أيضا سلعة معلبة يتم ترويجها في أماكن الحصار و الدفن المنزلي و التداول عليها بغريزة بهيمية عبر تقنين تعدد الزوجات و كأنّ هذا الإنسان المرأة وجدت لتكون وعاء فحسب لإشباع غريزة الرجل. و الا فكيف نفسر من يدافع في القرن الواحد و العشرين عن لباس اسمه النقاب و محاولة إدخاله ضمن الحريات الفردية و الشخصية للمجتمع.

المرأة و النقاب.

ان ما يجري ألان في قطرنا من زج للمجتمع في مظاهر تعبر فعلا عن أصول قروسطية عبر الدفاع من قوى معينة عن لباس اسمه النقاب الا دليل أخر على ان هذه القوى كانت و لا تزال و ستكون بؤرا لتكريس التخلف و عبوية المرأة و متخلفة عما وصلت اليه البشرية من تقدم في علاقة بأماكن العمل و خصوصية كل مهنة و في هذا الغرض نطرح الاسئلة التالية:

في علاقة بما حصل و يحصل بعديد الكليات بجامعاتنا منها بالخصوص جامعة منوبة فأننا نطرح الأسئلة التالية في علاقة بما هو حضاري بعيدا عن توظيف المعتقد في ذلك:

هل النقاب مظهر من مظاهر الحضارة البشرية الراهنة؟ و هل يدخل أيضا في الحرية المطلقة للفرد ام لا؟

هل نمكن المعلمة التي تدرس التعليم الابتدائي من حرية لباس النقاب داخل القسم ام لا؟

و هل لباسها هذا يواكب المفاهيم الضرورية لأداء واجبها التربوي و العلمي و البيداغوجي ام لا ؟

. قطعا لا باعتبار تغطية الوجه كاملا و خاصة الفم منه وهو مخرج النطق و الحركة لإتقان حفظ اللغة هو جزء من العملية التعليمية باعتبار التلميذ دائما و خاصة في السنوات الأولى من دراسته ينتبه فيما ينتبه أساسا الى حركة الفم و اللسان لمدرسه.

هل أستاذة اللغة الانقليزية لها الحق في لباس النقاب ؟ و هنا يجرنا المشكل الى ما طرحناه في الفقرة السابقة …..

هل يدافع مؤيدو النقاب عن طالبة في  الهندسة تطبق أشغال تطبيقية في الميكانيك أو غيره و تقف أمام آلة أحيانا خطيرة تستوجب لباسا مهنيا معيّنا و كل ما يتدحرج من أقمشة هو ممنوع ارتداءه أمام هذه الآلة و هذا القانون الخاص بهكذا شغل أو عمل أو دراسة يطبق على المرأة كما يطبّق على الرجل الذي هو ايضا تمنع عليه بعض الألبسة في إثناء استعمال آلات خطيرة مثلا كربطة العنق….ام أن ظلاميينا سيخصصون مهنا معينة للمرأة و ربما الأرجح حرمانها بتدرّج من حقها في التعلم و الشغل و لنا في حركة طالبان مثال في ذلك .

إن رؤيتنا الثورية و التقدمية و الديمقراطية و الحداثية تستوجب منا جميعا النضال بدون هوادة فكريا و اديولوجيا ضد هذا التيار الجارف للمجتمع الى غياهب القرون الوسطى مدافعين عن مؤسساتنا التعليمية و غير التعليمية في تطبيق قوانين العمل و الشغل و التعليم بمفاهيم كونية تتلاءم و طبيعة المهنة و بعيدا عن تكريس حرية اللباس بطريقة مبتذلة أينما كنا فلكل واقع خصوصياته و لكل مهنة قوانينها و ما صون المرأة إلا عبر تحقيق ذاتها في الحرية و الكرامة و الشغل الكريم قاطعة تبعيتها لمجتمع الذكور و حافظة لجسدها من البيع و الاستغلال.

                                                                    عبدالحميد : ديسمبر 2011

Laisser un commentaire